قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

453

الخراج وصناعة الكتابة

الجزالة وصواب الرأي ، ما يكسبه شدة الطاعة من الخاصة ، ومن العدل والرأفة وما يصيره إلى الود الخالص من العامة ، ويتم له مع ذلك الملك الصحيح الذي هو الملك بالحقيقة لا الذي يجري على سبيل القهر والغلبة ، فان مثل هذا ليس ملكا على الصحة ولا رئاسة يوثق بها الثقة التامة ، إذا كانت الرئاسة انما هي رئاسة عفو الطاعة لا رئاسة الاستكراه والقهر ، والمملكة مملكة الرضا والمحبة ، لا مملكة التسلط والقهر . ومما ينبغي أن تذكره من أمر خلائق الإسكندر ذي القرنين ليتقبل الملوك ذلك ويذهبوا بنفوسهم نحوه ، ولا ييأسوا من بلوغ مثل حاله ، فأن الناس واحد في المعنى ، وأفضلهم عند اللّه التقي ، الذي يجده - عز وجل - عندما يحب ويرضى ، فإنه يبلغ الغاية القصوى ، ويسمو إلى الدرجة العليا ، ولو كان من الملوك ما بلغه موضعا من أحاديثه ما تسمعه الملوك ، ولا ينكلوا عن تعاطي مثل أمره واللّه ولي التوفيق [ بقدرته ] « 28 » . فما كان من أمر الإسكندر بعد ما اقتصصناه من ذكر أوليته وابتداء ، نشوئه وتعليمه ، انه كان مع حاله التي وصفناها عنه موذنا بالنجابة منذ أولية كونه ، وابتداء صباه ونشوئه ، ومن ذلك أنه كان لما أشخصه أبوه إلى مدينة الحكمة ، كان وجماعة من أولاد الملوك بحضرة المعلم المتقدم ذكره فأراد معلمهم امتحانهم والمقايسة بينهم ، فقال : لفتى « 29 » منهم يقال له مينوان ، افضى إليك الملك ما أنت صانع بي ، فقال : أفوض إليك جميع أمري . وقال : لاخر منهم يسمى فاليغا مثل ذلك ، فقال أتخذك وزيرا ومشيرا ، وقال : لاخر يعرف بارقيطن ، فأنت ما تصنع بي ، قال : أشركك في ملكي . فقال للاسكندر مثل ما قاله لكل واحد منهم ، فقال : يا أيها الحكيم لا ترتهنني اليوم لغد ، ولا تسألني الان عما أفعله بعد ، وانظر

--> ( 28 ) بياض في نسختين : ت ، س . ( 29 ) في س : لمقتى .